تواصل معنا

المكـتبـة نشاطات إجازاته مشائخه آثاره الخيرية تحقيقاته مؤلفاته شخصه الرئيسة

نشاطاته:

 بحوث :

مساواة المرأة بالرجل في الدية والجراح وأروش الجنايات

اجتهاد معاصر مستنبط من الكتاب والسنة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد:

( يَأَيّهَا النّاسُ اتّقُواْ رَبّكُمُ الّذِي خَلَقَكُمْ مّن نّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً وَاتّقُواْ اللّهَ الّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً  ) [النساء:1] .

إن الآية الكريمة ضمن سورة من كبار السور القرآنية التي حملت اسم النساء ، وسورة أخرى حملت اسمهن تحت شرف السيدة مريم العذراء  .

نعم إنها المرأة التي قرنها به سبحانه فقال: اتقوا الله فلا تتعرضوا لغضبه، واتقوا الأرحام فلا تظلموها ، والرحم: هي المرأة مشتقة من اسم الله الأعظم الرحمن الرحيم، فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله.

وقد وقعت المرأة التي هي من نفس الرجل، ومن روحه وقلبه ، تحت عجلة ظلم الرجل فمزق لحمها ، ودق عظامها، واستذلها وأهانها، وحولها إلى سلعة تافهة ومخلوق ليس له قيمة إنسانية، ولا كرامة آدمية، يتوارثونها كقطعة من الأثاث، أو رأس من الماعز.

ويا ليت المهانة وقفت هنا، بل استكثروا عليها حياة الذل والشخصية المسحوقة، فابتكروا لها طريقة للموت لا يستطيع التعبير عن وحشيتها مثل القرآن الكريم الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله، فلنستمع خاشعين: ( وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُمْ بِالاُنْثَىَ ظَلّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ* يَتَوَارَىَ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوَءِ مَا بُشّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىَ هُونٍ أَمْ يَدُسّهُ فِي التّرَابِ أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ) [النحل:57:59].

 وفي مكان آخر يصور القرآن الكريم لمحة من المحاكمة بمحكمة العدل الإلهي يوم القيامة : ( وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ*بِأَىّ ذَنبٍ قُتِلَتْ )[التكوير:7:8] وتوجيه السؤال إليها والغرض قاتلها، لون من ألوان البلاغة يحمل التوبيخ والزجر والوعيد الشديد.

 كما كانت المرأة عند المسيحيين في القرون الوسطى مخلوقا مختلفا فيه: هل هو شيطان أو يحمل روح شيطان؟ وكان الكهنة والرهبان يُنَفِّرون منها، وبعض الرومان كان يضع قفلا على فرجها، وبعضهم يغرق في الاستمتاع بها، وقس على ذلك  بقية النساء في دنيا ذلك الزمان.

وجاء الإسلام ليجعل خديجة وهي رمز حواء الرقم الأول من المؤمنين بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأعطاها والمرأة من خلالها بفضل السبق الذي أحرزته، والشرف الذي نالته، بأن كانت أول يد بايعت رسول الله على الإيمان، وقدمت نفسها ونفيسها لله ورسوله، أن جعل ممر باب الجنة تحت أقدام الأمهات.

ولا يقتصر في تقدير نص : (الجنة تحت أقدام الأمهات) على الحث على البر بالأم وحدها، بل يريد المرأة رمز الأمومة والحب والحنان، سواء كانت أما أم عمة أم خالة أم أختا، أم زوجة أم جارة أم أخت في الإسلام أو الإنسانية، ولم لا يكون تقديري صائبا؟ أليس الإسلام دين البر والإحسان والمعروف والإنسانية؟ بلى إنه لكذلك.

وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (خيركم للناس خيركم لأهله , وأنا خيركم لأهلي) وكان يشفق على النساء، ويطلب من حاديه الذي يُنَشِّط الإبل في السفر فَتُغِذُّ السير: (رفقا بالقوارير يا أنجشة).

فشبههن بالقوارير التي تعامل برفق.

وظل يرسخ في المجتمع حقوق النساء : (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) ، (استوصوا بالنساء خيرا)، كل ذلك تجاوبا مع نهج القرآن الكريم الذي ساق نماذج لنساء يفخر بهن الجنس البشري رجاله قبل نسائه،

منهن:         العذراء البتول مريم ابنة عمران سيدة نساء العالمين.

2-                           ومنهن: سيدة وادي النيل الأولى امرأة فرعون التي فاقت بعقلها جميع شعبها فآمنت بالله وتحدث بصلابة إيمانها جبروت زوجها فرعون التاريخ، ورمز الطغيان البشري ، ورفضت في قناعة عرشها الملكي، وعشها الذهبي، ولم تأبه بما لحقها من تعذيب : ( وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً لّلّذِينَ آمَنُواْ امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنّةِ وَنَجّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ*وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الّتِيَ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رّوحِنَا وَصَدّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ )[التحريم:11: 12] .

3-                          ومنهن: الملكة بلقيس: وهل كان تخليد اسم سبأ اليمن إلا بفضل الملكة بلقيس، تلك العقلية التي تحدث عنها القرآن بإعجاب وإسهاب ، ولو رددت تلاوة قصتها ملايين المرات لم تشبع ولم تسأم؛ إذ بادرت لما وقعت في يدها رسالة نبي الله سليمان الشهيرة فجمعت قومها قائلة: ( قَالَتْ يَأَيّهَا الْمَلاُ إِنّيَ أُلْقِيَ إِلَيّ كِتَابٌ كَرِيمٌ *إِنّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنّهُ بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَـَنِ الرّحِيمِ*أَلاّ تَعْلُواْ عَلَيّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ  ) [النمل:29: 30].

كيف عرفت أنه كتاب خطير كريم لولا قوة ملاحظتها، فالرسالة في وجازتها تطوي مضاء القضاء والقدر ، والرسول الذي يحملها ملك العصافير، يتميز بقوة إبصار لما تحت الأرض، فالملكة والمملكة في مهب الريح إن لم تكن بصيرة الملكة أنفذ من نظر الهدهد، لذلك قالت لقومها: (  قَالَتْ يَأَيّهَا الْمَلاُ أَفْتُونِي فِيَ أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتّىَ تَشْهَدُونِ  ) فلم يزيدوا أن قالوا لملكتهم: (  قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُو قُوّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ )[النمل30: 32].

وأمام هذه الوطنية العارمة، والحماس الجارف، والتسليم المطلق أظهرت الملكة من العبقرية، وحسن السياسة والتدبير، والحرص على تجنيب رجالها الأبطال وشعبها الأبي وخيم عواقب التسرع والطيش فبدأت تحدثهم عما يدور في عقلها الجبار لمواجهة الموقف : ( قَالَتْ إِنّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوَاْ أَعِزّةَ أَهْلِهَآ أَذِلّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ* وَإِنّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ  )[النمل: 32: 35] فإن كان ملكا قبلها، وستكون قادرة على رد عدوانه إن فكر في غزوها، وإذا كان نبيا فستقابله وستخرج معه بأحمد العواقب، فلما تبين لها حين رفض الهدية أنه إنما يدعوهم للإسلام سافرت في وفد رفيع المستوى وشاهدت عرشها العجيب أمامها ولم تنبهر حين سُئلت ( أَهَكَذَا عَرْشُكِ ) بل أجابت فورا : ( كأنه هو ) لم تقل: نعم، أو لا، كيف تقول : عرشي _وقد خَلَّفَتْهُ في تخوم اليمن تحت حراسة أشد الرجال_ وكيف ينتقل؟ وكيف تقول: ليس عرشي؟ فربما نقل العرش معجزة لنبي الله الكريم سليمان عليه السلام.

حقا إن التاريخ ليجثوا أمام هذه المرأة المعجزة احتراما لعقلها الذي دلها على الحق، وقادها وقومها إلى بر الأمان والسلامة، فأعلنت إسلامها رسميا وقالت معتذرة لربها: ( رَبّ إِنّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ  )[النمل:44] وعادت إلى ديارها ملكة في الدنيا وملكة في الآخرة.

 

فهل يا ترى أراد الله سبحانه من القصص مجرد التسلية؟ أو أراد إبراز التفوق البشري الذي تميزت به المرأة من العفة والطهارة والشجاعة والإيمان الراسخ والذكاء الخارق، والعقل الوافر، والديموقراطية التي فاقت الديموقراطيات الحديثة شكلا ومعنى، ليمحوا من أذهان الرجال الاعتداد برجولتهم إلى الحد الذي جعلهم يسحقون نصفهم الآخر، ويدفنون كنوزا من الإبداع النسائي.

ولقد استطاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقدم للبشرية بلقيسا أخرى ماثلة في أم المؤمنين الأولى خديجة، ومريم ثانية شاخصة في ابنتها الزهراء فاطمة.

وقد احتشد في تاريخنا الإسلامي من أمهات المؤمنين وبنات الرسول والمهاجرات والأنصاريات والتابعيات ما ملأ سمع الزمان وبصره، وها هو الزمان يعيد نفسه ونرى ونسمع من النساء آيات، ومن الفتيات معجزات.

ولعل في بعض ما ذكرتُ ما يحفزنا ونحن بلد الإيمان والحكمة أن نرفع راية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ونحقق هدفه، في توفير الفرص أمام المبدعين من الرجال والنساء، ولن يكون ذلك إلا فوق أرض تنبت فيها العدالة والمساواة باسقة بإذن الله.

وذلك يحتاج منا إلى فهم عميق لديننا العظيم، ووفاء لمبادئه السمحة فنعيد للمرأة حقها الذي تجاهلناه، ومكانها الذي سلبناه، وإذا كنا نتحرج من نداء نساءنا بأسمائهن كما كان  النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته الكرام ينادون النساء وعلى رأسهن أمهات المؤمنين ونستنكر دخول النساء مساجد الله دون أن يُضرب عليهن سدود وحواجز ويُفتح لهن باب خلفي، ولا نستنكر وجودهن في الشوارع والمتاجر، ونزوجهن دون إذنهن، ونُطلِّقُهن دون سبب، ونمنعهن الميراث ، ونصادر كثيرا من حقوقهن الطبيعية.

فكيف نستطيع الإقدام على مخالفة فقهائنا الأوائل وسلفنا الصالح ونجتهد ما دمنا مُحَنَّطِين؟ ، لم نمتلك الثقة بنفوسنا بأننا مسلمون، وإن اجتهدنا فلا يعني أنا نريد هدم ديننا، بل نريد إعلاء شأنه بين الأمم ونظهر المدى الذي بلغه في تنمية التفكير، وإيقاظ العقل ، ليجعل الفرد من أتباعه قادرا على مواجهة التحديات.

والآن نحن مطالبون بالإجابة على أسئلة شقائقنا:

س/ لماذا دية الواحدة منا نصف دية الواحد منكم؟ وقد ذهب جمهوركم إلى أن الرجل يُقتل بالمرأة دون أن يَرُدَّ له أولياء دم المرأة نصف دِيَتِه، كما قال بذلك نفر أقلّ من أصابع الكف الواحد من فقهائكم؟

س/ كيف يُقدم الإسلام للعالم على أنه دين المساواة والعدل ؟ وكيف تجيبون حين تسألكم الدنيا هل صحيح أن دية الملكة اليمنية بلقيس أعظم شخصية سياسية في تأريخ النساء على الإطلاق تساوي نصف دية سعد الحشيشي مجنون الفليحي!!؟ وهل يصدق أن النبي العظيم يجعل دية خديجة وفاطمة وعائشة وأم سلمة وزينب بنت علي وأم أيوب والخنساء على النصف من أتفهكم ولا نقول من أعظمكم؟ فمن أين أتيتم بهذا القول الذي لم تروه الصحاح؟ وعلى ماذا اعتمدتم؟ وهل وجد من أفذاذكم من خالف هذا؟

والجواب سيكون في إيجاز ما قاله سلف الأمة حول: (أ)  تنصيف دية المرأة خاصة.  (ب) ثم ذكر السند ومناقشته. (ج) ثم تقرير الاجتهاد المناسب.

(أ)     تنصيف دية المرأة:

أولا: قال العلماء كافة: إن دية المرأة على النصف من دية الرجل وهو قول الصحابة دون أن يشذ منهم أحد، ولم يخرج عن إجماع المسلمين سوى رجلين اثنين هما الأصم وابن عُلية([1])، وعلل ذلك صاحب الهداية في الفقه الحنفي([2]): بأن حال المرأة أنقص من حال الرجل، ومنفعتها أقل، وجاء في المغني للحنابلة([3]): ودية الحرة المسلمة نصف دية الحر المسلم. قال ابن المنذر وابن عبدالبر: أجمع أهل العلم على أن دية المرأة نصف دية الرجل، وحكى غيرهما خلاف عن ابن علية والأصم، قالا: ديتها كدية الرجل لقوله عليه السلام: "في النفس المؤمنة مائة من الإبل"،  وهذا قول شاذ يخالفه إجماع الصحابة وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإن في كتاب عمرو بن حزم: "دية المرأة على النصف من دية الرجل"،  وهي أخص مما ذكروه وهما في كتاب واحد، فيكون ما ذكرنا مفسرا لما ذكروه مخصصا له. ودية نساء كل أهل دين على النصف من دية رجالهم. انتهى كلام المغني ولا أطيل بالنقل ، فكل كتب الفقه تناقلت هذه العبارة: (ودية المرأة على النصف من دية الرجل)، ؛ لذا أنتقل إلى دليل هذه المسألة.

(ب)   ذكر  الأدلة التي جعلوها مستندا للإجماع ومناقشتها

1-              عن زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي عليه السلام ولم يرفعه قال: " جراحة المرأة على النصف من جراحة الرجل في كل شيء، لا تساوي بينهما في سن ولا جراحة، ولا موضحة ولا غيرها"([4]). قال الإمام القاضي السياغي رحمه الله شارح المجموع: والحديث يدل على أن دية المرأة في النفس وما دونها من الأطراف على النصف من دية الرجل. والأصل فيه إجماع  أهل العلم في الجملة ، ولعل مستنده ما رواه البيهقي من طريق عبادة بن نسي عن ابن غنم عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : "دية المرأة على النصف من دية الرجل" وروي ذلك من وجه آخر عن عبادة بن نسي وفيه ضعف. ولا يضر ذلك مع الإجماع على العمل بموجبه([5]).

2-              في كتاب عمرو بن حزم([6]) : "دية المرأة على النصف من دية الرجل". قال المحدث الألباني([7]): ضعيف. وعَزْوُه إلى كتاب عمرو بن حزم خطأ تبع المصنف فيه الإمام الرافعي فقال الحافظ في تخريجه([8]): هذه الجملة ليست في حديث عمرو بن حزم الطويل، وإنما أخرجها البيهقي من حديث معاذ بن جبل ، وقال: إسناده لا يثبت مثله. قلت- أي الألباني-: أخرجه البيهقي 8/95 من طريق بكر بن خنيس عن عبادة بن نسي عن ابن غنم عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحديث، وقال: وروي من وجه آخر عن عبادة بن نسي وفيه ضعف. ثم قال بعد صفحة: وروي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإسناد لا يثبت مثله. قلت: -أي الألباني-: وبكر بن خنيس صدوق له أغلاط، أفرط فيه ابن حبان. وقد روي معنى الحديث عن جماعة من الصحابة منهم عمر بن الخطاب بسند فيه ضعف. لكن الألباني صحح رواية عروة البارقي عن عمر أن جراحات الرجال والنساء تستوي في السن والموضحة، وما فوق ذلك فدية المرأة على النصف من دية الرجل. وقال: في الباب عن علي بن أبي طالب وابن مسعود أخرجه ابن أبي شيبة 11/28/2، والبيهقي 8/95- 96، بإسناد صحيح عنهما.

3-              في كتاب عمرو بن حزم : دية المرأة على النصف من دية الرجل، وكذا جراح الكتابي على النصف من جراح المسلم. قال الألباني: لم اره في شيء من طرق حديث ابن حزم([9]) .  

4-              حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها. قال الألباني: ضعيف لوجود علتين: عنعنة ابن جريح ، فإنه مدلس وضعف إسماعيل بن عياش في روايته عن الحجازيين ، وهذه منها. قال ابن حجر في التلخيص4/25: قال الشافعي: وكان مالك يذكر أنه السنة وكنت أتابعه عليه، وفي نفسي منه شيء، ثم علمت أنه يريد سنة أهل المدينة فرجعت عنه.

5-              قال ربيعة بن أبي عبدالرحمن: قلت لسعيد ابن المسيب: كم في إصبع المرأة؟ قال: عشر من الإبل، قلت: ففي ثلاث أصابع؟ قال: ثلاثون، ففي أربع؟ قال: عشرون، قال: فقلت: لما عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها،أي[ديتها]؟ قال سعيد: أعراقي أنت؟ ([10]) قلت: بل عالم متثبت أو جاهل متعلم. قال: هي السنة يا ابن أخي([11]).  

(ج)   الاجتهاد المناسب

لا يرغب أحد ينبض قلبه بحب دينه أن يتجنى عليه أو يتعمد مخالفته والإساءة إليه . ومن هنا فالذي أراه مناسب لروح دين المساواة ومطابقا للمواثيق العالمية ومنسجما مع العقل والمنطق أن تكون المرأة مساوية للرجل في الدية وأروش الجنايات والقصاص ما عدا الأمور التي نص عليها القرآن بصورة قطعية الدلالة.

الأدلة على ما رجحته وجزمت به:

أولا: لم يرد في القرآن الكريم تحديد دية المرأة بمثل ما حدده فقهاؤنا الأجلاء، وهو الحجة القاطعة التي لا يسعنا تجاوزها.

ثانيا: لم يأت في السنة ما يُعول عليه، بل جاءت روايات مشكوك في صحتها، مطعون في صحتها كما سبق ذكر شيء من ذلك.

ثالثا: كان المجتمع في زمن الصحابة قريب عهد بالجاهلية وما زالت ظلالها ماثلة، فلم تنل المرأة حقها كاملا رغم القفزة الشاسعة التي قفز بها نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم  بدل لذلك ما روي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لولا أن قومك حديثو عهد بالجاهلية لأعدت الكعبة على قواعد إبراهيم ، فما بلك بقضية المرأة وكيف كانت عندهم؟ فلم يجد الصحابة مطالبة من النساء بهذا الحق فتقرر ما تقرر من التنصيف عرضا على منوال تنصيف الميراث ، والشهادة. ولم يستشعروا خطورة المسألة، ولم يعتبروها من أصول الدين، وقواعد الإسلام، ولو أن النساء طالبن بحق المساواة لوصلن إليه بسهولة بدليل ما روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث أبا جهم بن حُذيفة مصدقا ، فلاجّه رجل في صدقة فضربه أبو جهم فشجه، فأتوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: القود يا رسول الله، فقال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لكم كذا وكذا، فلم يرضوا، فقال: لكم كذا وكذا، فلم يرضوا، فقال: لكم كذا وكذا، فرضوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إني خاطب العشية على الناس ومخبرهم برضاكم، فقالوا: نعم، فخطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال: إن هؤلاء الليثيين أتوني يريدون القود، فعرضت عليهم كذا وكذا فرضوا، أرضيتم؟ قالوا: لا، فهم بهم المهاجرون فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يكفوا عنهم، فكفوا، ثم دعاهم فزادهم، فقال: أرضيتم؟ قالوا: نعم، قال: إني خاطب على الناس ومخبرهم برضاكم، قالوا: نعم، فخطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أرضيتم ؟ قالوا: نعم. أخرجه أبو داود والنسائي([12]).

رابعا: جاء في القرآن الكريم: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنّ النّفْسَ بِالنّفْسِ)[المائدة:45] وهو نص صريح في اعتبار النفس البشرية واحدة. وقد ذهب جمهور الفقهاء أن الرجل يقتل بالمرأة ، ولم يخالف سوى نفر قليل، قالوا: إن أولياء المرأة إذا اختاروا القصاص وجب عليهم الالتزام بدفع نصف دية الرجل. وهو قول متهافت، فمذهب الجمهور هو المذهب المنطقي العادل. ويلاحظ الاتفاق على المقاصة.

وبناء عليه : فهو حجة لما رجحته من ضرورة تسوية المرأة في الدية بالرجل قياسا على القصاص أيضاً، فهما من واد واحد.

خامسا: يستدل أيضاً بقوله تعالى:(  يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرّ بِالْحُرّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالاُنثَىَ بِالاُنْثَىَ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مّن رّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَىَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ )(178: البقرة) ، فهي تدل على وجوب المساواة بين الرجل والمرأة في القصاص ، ولا يفهم منها أن الحر يقتل بالحر والأنثى بالأنثى ، فلا يقتل الحر بالأنثى، أو العكس، ؛ لأن سبب نزولها في حيين من العرب اقتتلوا قبل الإسلام فكان بينهم قتلى وجرحى ، وكان أحد الحيين مستكبرا على الآخر حتى كانوا ينكحون نساءهم بغير مهر، فأقسموا : لنقتلن بالعبد منا الحر منكم، وبالمرأة الرجل، وبالواحد الاثنين، وجعلوا الجراحات ضعفين ، ولم يأخذ بعضهم من بعض حتى جاء الإسلام، واحتكموا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت الآية([13]).

فالمساواة في الدية تقاس على المساواة في القصاص زيادة على النصوص الصريحة الواضحة.

سادسا: كان السلف الصالح رحمهم الله يجتهدون مع وجود نص قرآني ، ولو حدث أن اجتهد أحدنا مثل اجتهادهم لحكموا عليه بالردة ، فقد روي أن أبا بكر رضي الله عنه أنه كتب ورقة مع نفر من المؤلفة قلوبهم إلى عمر أمره فيه بإعطائهم ، فمزق عمر الكتاب وقال لهم: قد أغنانا الله عنكم ، فإن أسلمتم وإلا السيف بيننا وبينكم. فرجعوا إلى أبي بكر فقالوا: أنت الخليفة أو هو؟ فقال: بل هو إن شاء الله، وأمضى ما فعله عمر. فهاذان خليفتان راشدان يجتهدان هذا الاجتهاد ا لعظيم ولم يخطر ببال أحد أنهما رضي الله عنهما يريدان مخالفة الآية الكريمة (  إِنّمَا الصّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السّبِيلِ فَرِيضَةً مّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ).

 وهذا الاجتهاد لم يأت لمناسبة بل رأى الفاروق أن الزمن لم يعد مناسبا للتأليف لقوة الإسلام. أفلا يجوز لنا أن نقول بأن الزمن الحاضر لم يعد مناسبا لانتقاص المرأة ولا سيما وقد دخلنا في معاهدات دولية وصرنا ضمن أعضاء الأمم المتحدة، واعتمدنا صوت المرأة في الانتخابات مثل صوت الرجل، وهو مثل الشهادة.

فنحن أحوج من عمر رضي الله عنه الذي اجتهد مع النص الصريح أن نجتهد إزاء إجماع لم يتضح فيه الإجماع القولي ولعله من باب نقل الآخر عن الأول ، فتكلم بعض وسكت آخر، لعدم اهتمامه بالأمر، فليس من الإجماعات الخطيرة التي يحرم مخالفتها.

سابعا: وعن ابن عباس أن عمرو بن أمية الضمري قتل رجلين من المشركين لهما أمان ولم يعلم بذلك فوداهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دية الحرين المسلمين([14]) . وعن علي : "دية اليهودي والنصراني مثل دية المسلم" ([15]).

وعن علي بن الحسين قال: دية المعاهد مثل دية المسلم([16]). فخالف هذه الروايات معاوية بن أبي سفيان فقد روي عن الزهري قال: كانت دية المسلم والمعاهد على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر واحدة حتى جاء معاوية فجعل لهم النصف من ذلك([17]). وبني على اجتهاد معاوية ما رواه النسائي رقم 4806 عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عنه صلى الله عليه وآله وسلم : "عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين وهم اليهود والنصارى" ، ورواية أخرى عنه رقم 4807 : " عقل الكافر نصف عقل المؤمن " ولعل الروايتين جاءتا لمؤازرة اجتهاد معاوية.

نخلص من ذلك أنهم كانوا يجتهدون، ولا يتهمون بالعداء للنصوص.

ثامنا: اجتهدوا في تغليظ الدية : عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن عمر قام خطيبا فقال: إن الإبل قد غلت ، قال: فقوَّم على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثني عشر ألفا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألفي شاة ، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، رواه أبوا داود رقم (4542).

وبالنسبة لنا :

لا مانع من رفع دية المرأة باعتبار أن المرأة قد أصبحت متقدمة في العلم والأناقة وأشياء كثيرة، فينبغي أن نرفع ديتها التي هي بحساب الريالات الفرنساوية (393.75) يقابلها بسعر اليوم (362250 ريالا يمنيا) إلى قيمة سيارة مازدا على الأقل ، ولا أقول مرسيدس أو BMW   ؛ لئلا أتهم بالمجازفة .

والخلاصة : فإن لم نجتهد نحن فسيفرض علينا مساواة المرأة فرضا، ونقبله رغما عن أنوفنا، مع أن ما توصلتُ إليه ينسجم مع الاتجاه العام للإسلام العظيم في اعتماد المساواة بين بني البشر؛ فالله سبحانه وتعالى لا يُفرق بين نفس ونفس ، وقد أكد هذا في قوله تعالى:(  مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَىَ بَنِيَ إِسْرَائِيلَ أَنّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنّمَا قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنّمَا أَحْيَا النّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالّبَيّنَاتِ ثُمّ إِنّ كَثِيراً مّنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأرْضِ لَمُسْرِفُونَ ). وقد آن لنا أن نعيد النظر في ترديد الروايات بدون تمحيص ، مثل : (النساء ناقصات عقل ودين) ، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يقوله لو صح انتقاصا للمرأة وإنما هو وصف واقع على سبيل المداعبة، فالمرأة لم تختر لنفسها الحيض، فكيف تعاب بخلق الله!! وإذا كانت شهادتها مثل نصف شهادة الرجل فإنما هو لاعتبار ما يطرأ عليها من ظروف حياتية تنسيها بعض الأمور ، فتحرى الإسلام في موضوع الشهادة وحاشا ديننا العظيم أن يريد انتقاص المؤمنات الكريمات .

أما رواية : (خلقت المرأة من ضلع أعوج) فإن القرآن لم يقل ذلك ، بل قال : (  خَلَقَكُمْ مّن نّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) فتمسكنا بالضلع الأعوج ، وطبعناه على جبين المرأة ، ولا نريد لها أن تستقيم ، كما لا نريد لحياتنا أن تستقيم على العدل والمساواة والحقوق الإنسانية التي أقرها الله .

كذلك رواية: (لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) إنما قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أرسل رسالة إلى الملك كسرى فمزقها، فقال: مزق الله ملكه، فسلط الله عليه ولده فقتله، وتهاوى الملك بعد ذلك سريعا ، ؛ إذ تناقل في واحد تلو الآخر في فترة وجيزة حتى ولوا امرأة منهم، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا القول واصفا تدهور الملك وأنه في طريقه إلى الزوال ، ولا يرجى فلاحه، ولا يريد وصم المرأة على الإطلاق .

وفي الأخير أتمنى لشقائقنا أن يظفرن بحقهن الطبيعي والإسلامي والإنساني وأعدهن بمواصلة البحث والتأصيل والتعمق ليقدم سريعا إلى الإخوة الكرام في مجلس النواب ليقروا تعديل دية المرأة وأرش جراحها كالرجل تماما. وقد جرت مناقشة حضرها عدد من الأعضاء في مجلس النواب وبعض العلماء والشخصيات من الرجال والنساء في فندق رمادة برئاسة الشيخ الماجد/ عبدالله بن حسين الأحمر رئيس مجلس النواب ووعد بدعم المشروع ووعد كذلك الحاضرون من أعضاء لجنة تقنين الشريعة الإسلامية بالمجلس ، شريطة ألا يصادم نصوص قاطعة في ديننا الحنيف، وها أنا قد بينت أن مساواة المرأة في مسألة الدية والجراح لا تصادم شرعا ولا نصا بل هي إحسان إلى ديننا العظيم الذي يحث على المساواة ويقدر قيمة الإنسان دون فرق بين لون ولا جنس.

والله من وراء القصد

بقلم د/ المرتضى بن زيد المُحَطْوَري الحسني

أستاذ الشريعة بجامعة صنعاء

عضو جمعية علماء اليمن

صنعاء 9/5/ 1426هـ الموافق 15/6/2005م

 


([1]) ينظر الروض النظير شرح المجموع للإمام زيد 4/569. والمهذب في المذهب الشافعي 5/106.

([2])   4/461

([3]) 9/ 531.

([4]) شرح المجموع 4/568.

([5]) شرح المجموع 4/569.

([6]) قال في الموطأ: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتب لعمرو بن حزم كتابا إلى أهل اليمن فيه: الفرائض والسنن والديان.

([7]) كتاب إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل 7/307 للألباني.

([8]) 4/ 24.

([9]) إرواء الغليل 7/308.

([10]) في هذا إشارة إلى أن الحركة العلمية في العراق تُعمل العقل، وتدير القياس. وفي الحجاز سادت مدرسة النص، لذلك استغرب سؤاله المنطقي.

([11]) إرواء الغليل 7/309. وجامع الأصول 4/415 .

([12]) جامع الأصول 4/ 448- 449. رواه أبو داود رقم 4534 في الديات، باب العامل يصاب على يديه خطأ، والنسائي 8/ 35 في القسامة، باب السلطان يصاب على يده، وإسناده صحيح.  

([13]) الثمرات شرح آيات الأحكام للفقيه يوسف ، 1/302.  

([14]) أصول الأحكام 2148، والترمذي رقم 1404، والبيهقي رقم 8/  102.

([15]) الأحكام 2151، الأمالي 2495، وعبد الرزاق رقم 10227، ورقم 18494.   

([16]) الأحكام 2152، الأمالي رقم 2496.   

([17]) مسند عبد الرزاق الصنعاني رقم 18491، والبيهقي 8/102، إرواء الغليل (2150).  

جميع الحقوق محفوظة

Copyright© 2008  All rights reserved